تمهيد:

نظام المحاكم في دولة قطر هو نظام مدني (يتبع النظام اللاتيني الذي يرجع إلى النظام الفرنسي) وليس نظاماً أنجلوسكسونياً.

على ذلك فإن ما يميزه عن النظام الأنجلوسكسوني المتبع في دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هو أن السوابق القضائية ليست مصدراً رئيسياً للقانون، بل هي مصدر ثانوي تستعين به المحاكم في قضائها على سبيل الاستئناس. ولكن لا بد من التنويه أنه في ظل النظام القضائي في قطر فإن محاكم التمييز وهي المحاكم العليا لها سلطة تقرير المبادئ القانونيّة، وهذه المبادئ تستعين بها المحاكم في قضائها ويستند إليها المحامين في دفاعهم.

في النظام الأنجلوسكسوني تكون المحاكم الدنيا مُلزمةً باتباع السوابق القضائية وفق مبدأ “ستيري ديسايس” الذي يكون بموجبه إلزاماً على المحكمة الدنيا إذا اتفقت الوقائع في الواقعة المنظورة أمامها مع وقائع سابقة قضائية صادرة من محكمة عُليا، يكون لزاماً عليها أن تحكم بقضاء مطابق تماماً لما قضت به المحكمة العليا. أما في النظام القضائي في قطر فإن المحاكم الدنيا تلتزم بقضاء المحاكم العليا التزاماً أدبيّاً وليس قانونيّاً.

وذلك على الرغم من أن النص بالمادة 22 من القانون رقم 12/2005 بشأن حالات وإجراءات الطعن بالتمييز في غير المواد الجنائية الذي يقرر بأن المحكمة المُحال إليها الدعوى تلتزم بحكم محكمة التمييز في المسائل التي تم الفصل فيها. حيث أن هذا النص يتعلق بالواقعة المعروضة في قضية التمييز وليس كمبدأ عام تلتزم به المحاكم.

أنواع القضايا التي تنظر أمام المحاكم:

تختلف أنواع القضايا وتتباين كما يلي:

1- القضايا المدنية والتجارية ومنها القضايا العقارية وقضايا منازعات عقود الإنشاءات والقضايا العمالية (مع التنويه أن القضايا العمالية أصبحت تنظر أمام لجنة مختصة أنشأت في التعديل الأخير لقانون العمل القطري)

2- قضايا الأسرة والتركات.

3- القضايا الإدارية التي تتعلق بالعقود والمعاملات التي تكون الدولة طرفاً فيها وفق القانون رقم 7 لسنة 2007 الذي حدد أنواع القضايا التي يختص القضاء الإداري وحده بنظرها، وذلك في نص المادة الثالثة منه.

4- استئناف الأحكام التي تصدر في الدعاوى الإيجارية من لجان فض المنازعات الإيجارية.

وتمر كل دعوى بثلاث مراحل، أولها محكمة أول درجة ومن ثم يمكن الطعن على الحكم الصادر منها أمام محكمة الاستئناف التي لها سلطة النظر في موضوع الدعوى وتعديل أو تأييد أو إلغاء حكم محكمة أول درجة، وأخيراً محكمة التمييز التي تنحصر سلطتها في الغالب في فحص قانونية الحكم دون أن تعيد طرح موضوع الدعوى وتعيد نظر الأدلة إلا إذا كان الطعن للمرة الثانية أو كانت الدعوى مهيأة للفصل فيها.

كيف يتم تناول الدعاوى أمام المحاكم –فيما يتعلق بتقديم الدفوع وتداول الجلسات:

بعد رفع الدعوى بتقديم صحيفتها إلى قلم الكتاب، تحدد المحاكم جلسة أولى لكل دعوى ويتم إعلان الخصوم لحضور الجلسة.

فبخصوص الإعلان: يتم الإعلان للمدعى عليه أو المطعون ضده أو المنفذ ضده بأحد الوسائل التي نص عليها قانون المرافعات، وطرق الإعلان التي جرى عليها العمل بالمحاكم هي تسليم ورقة الإعلان إلى المعلن إليه في موطنه، أو بالبريد المسجل، او بالنشر في الجرائد، أو في مواجهة مدير الأمن العام بالنسبة لمن ليس لهم موطن معلوم في قطر، أو بالطرق الدبلوماسية لمن لهم موطن معلوم خارج قطر.

وفيما يتعلق بالحضور: فإن عدم حصول الإعلان وعدم حضور المعلن إليه بالجلسة المحددة لنظر الدعوى، تلتزم معه المحكمة لتأجيل نظر الدعوى لجلسة تالية يتم الإعلان فيها بأصل صحيفة الدعوى. وفي حالة تمام الإعلان ولم يحضر المعلن إليه بالجلسة المحددة تلتزم المحكمة بالتأجيل لإعادة الإعلان بذات الطريقة التي تم بها الإعلان أو بأي طريقة تراها المحكمة.

وفيما يتعلق بتقديم الدفاع والدفوع بالجلسات: فإنه بالجلسة الأولى لحضور المعلن إليه فإنه إن طلب أجل للاطلاع على ملف الدعوى وتقديم رد بشأنها، فإن المحكمة تجيبه لهذا الطلب وتؤجل نظر الدعوى لجلسة تالية يتم فيها الرد من جانبه، وفي الجلسة المحددة لرده، فيجب عليه تقديم الدفوع الإجرائية أو الشكلية التي تسقط بالكلام في الموضوع، مثل الدفع بعدم قبول الدعوى ل��جود شرط تحكيم، حيث لو سكت وقدم دفاع يسقط حقه في التمسك فيها، ثم بعد ذلك يتم تقديم الدفوع الموضوعية المتعلقة بموضوع الدعوى ومستنداتها.

وتقدم هذه الدفوع في مذكرة مكتوبة، حيث درج العمل على أن المذكرات المكتوبة هي التي يقدم بها الدفاع. وإن كان الأصل هو شفوية المرافعة، ولكن نظراً لكثرة القضايا يصعب الاستماع للدفاع الشفوي إلا في القضايا الجنائية وبشكل مخصوص في الجنايات أما الجنح والمخالفات فيكتفى في الغالب فيها بالمذكرات المكتوبة.

هذا ويحق للطرف الآخر في الدعوى طلب التأجيل للرد على دفاع المدعى عليه أو المطعون ضده، وهنا في الغالب تعطي المحكمة فرصة للرد، وهكذا يمكن تبادل الردود إلى أن تقرر المحكمة حجز الدعوى للحكم.

وتصدر المحكمة حكمها إما بإصدار حكم تمهيدي فيها قد يكون بندب خبير او استجواب الخصوم أو تحليف يمين وهكذا أو بالفصل في موضوع الدعوى.

وإن كان الحكم تمهيدياً استوفت المحكمة إجراءات إعلانه للخصوم، ثم تنفيذه بحلف الخبير اليمين إن كان بندب خبير، ثم يقوم بمباشرة المأمورية التي تكلفه بها المحكمة في حكمها، بأن يجتمع بالخصوم ويأخذ مستنداتهم ودفاعهم، ثم يقدم تقريره للمحكمة التي تقوم بتسليم الخصوم نسخ منه، وتعطيهم فرصة للتعقيب عليه، ثم تحجز الدعوى للحكم لتصدر فيها حكمها.

وإن كان الحكم فاصل في الموضوع فإنه يجوز الطعن عليه بالاستئناف في مدة 30 يوم إن كان موضوعياً و20 يوم إن كان مستعجلاً، وفي 60 يوم إن كان طعناً بالتمييز أو بالاستئناف الإداري.

وفي حالة الطعن يتم تداول الدعوى امام محكمة الطعن بنفس الإجراءات إن كان بالاستئناف. وإن كان بالتمييز فإنه يختلف حيث يتم إيداع الطعن ويتم الإعلان به، ويتم تحديد جلسة له أمام غرفة المشورة، وهي مشكلة من أحد السادة أعضاء المحكمة لكي يدرس الطعن ويبحث قبوله الشكلي، بحيث لو وجده غير مقبول أصدر حكماً فيه بعدم القبول، وإن وجده جدير بالنظر لعيب في الحكم أو تقرير مبدأ يحدد لنظر الطعن جلسة مرافعة امام هيئة المحكمة مجتمعة، وفيها يتم سماع المرافعة من خلال مذكرة مكتوبة شارحة، ويتم إصدار الحكم في نفس الجلسة أو في جلسة تالية، وبهذا الحكم يصبح الحكم الصادر في الدعوى باتاً لا يجوز الطعن عليه بأي طريق.

كم تستغرق القضية الواحدة عادةً أمام المحاكم إلى حين أن يصدر فيها حكم نهائي:

إن ذلك يعتمد على نوع القضية ودرجة التقاضي:

  • ففي القضايا المدنية والتجارية وغيرها كما بيننا أعلاه- فإن الدعوى أمام المرحلة الأولى (محكمة أول درجة) تستغرق حوال 8-12 شهراً وذلك في حالة ندبت المحكمة خبيراً للتحقيق في وقائعها، أما إن لم تنتدب المحكمة خبيراً وكانت الدعوى مما لا تحتاج فيه المحكمة إلى معونة الخبرة الفنية فإنها تستغرق حوالي 6-8 أشهر.

أما القضايا الجنائية والإدارية فإنها تختلف في مرحلة أول درجة، فتستغرق مدة أقل من القضايا المدنية، أي من شهرين إلى 6 شهور ليصدر حكم ابتدائي في الدعوى، أما العمالية فتستغرق من شهرين إلى 4 أشهر.

  • في القضايا المدنية في المرحلة الاستئنافية فإن الدعوى تستغرق حوالي 2-6 أشهر، ولكن هذا يعتمد على مدى تمام ضم ملف دعوى محكمة أول درجة، حيث أن هذا إجراء إداري أساسي يتم به إحالة ملف المحكمة من محكمة أول درجة إلى محكمة الاستئناف، فإذا ما تم هذا الضم في الوقت المناسب فلا يتعدى نظر الاستئناف أكثر من 6 أشهر تقريباً، أما إذا تأخر – وهذا ما يحصل-فإن الدعوى قد تبقى منظورة إلى 8-12 شهراً أكثر.

  • القضايا المدنية أمام محكمة التمييز فإنها تستغرق من شهرين إلى 4 شهور، أما الجنائية فإنها تستغرق وقتاً أطول أمام محكمة التمييز نظراً لكثرة القضايا، فإنها تأخذ من 6 أشهر إلى سنة واحدة ليُفصل فيها.

مع التنويه إلى أن الحكم قد يصبح نهائياً قبل الطعن عليه إذا مرت مدة الطعن دون أن يتم قيد أي طعن، فإن الحكم يصبح باتاً.

القواعد الإجرائية التي يطبقها القضاء القطري

القاعدة العامة هي تطبيق القضاء للقواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري رقم 13 لسنة 1990، فيما يتعلق بالحضور وقواعد الإثبات وإجراءات التقاضي والطعون والتنفيذ وغيرها، كما يطبق القضاء الإجراءات التي ترد بقوانين خاصة كإجراءات الإفلاس التي ينص عليها قانون التجارة رقم 27/2006، أو غيرها.

هل تنظر المحاكم دعاوى تشمل النظر في قانون أجنبي؟

نعم يمكن للأطراف أن يتفقوا على إخضاع موضوع النزاع لقانون أجنبي، أو يمكن أن تعين قواعد تنازع الاختصاص تطبيق قانون أجنبي، كما لو كان النزاع يتعلق بعقد عمل تم إبرامه بين العامل والمركز الرئيسي لرب العمل الذي يوجد خارج قطر، وذلك للعمل في فرع رب العمل بقطر.

فهنا وبحسب نص المادة 28 من القانون المدني القطري ينطبق القانون الأجنبي على علاقة العمل التي تنفذ في قطر، وبالتالي يطبق فيها القاضي القطري القانون الأجنبي.

وقد حصلنا على أحكام بهذا المعنى من القضاء القطري في قضية لأحد الجامعات الأجنبية التي لها فرع في قطر وتعاقدت الجامعة الأم مع أعضاء هيئة تدريس للعمل في فرع قطر وهنا تم تطبيق القانون الأجنبي في خصوص عدم انطباق نظام مكافأة الخدمة لكون القانون الأجنبي يأخذ بنظام بديل له وهو نظام المعاش وقد قدمنا نسخة من القانون الأجنبي، لأن عبء إثبات هذا القانون يقع على عاتق من يتمسك به.

ويلاحظ أن القانون الأجنبي الذي يطبقه القضاء القطري هو أحكام القانون الداخلي دون أحكام القانون الدولي الخاص التي تتعلق بقواعد الإسناد والقانون الواجب التطبيق، حيث يطبق بشأنها القانون القطري. وفق نص المادة 37 من القانون المدني القطري.

ويلاحظ أن القانون الأجنبي مشروط تطبيقه بعدم مخالفته للنظام العام والآداب في قطر، فإن خالف طبق القضاء القانون القطري.

تجارب شخصية جديرة بالذكر من واقع التجارب العملية أمام المحاكم

هناك تجربة في سياق تنفيذ حكم قضائي أجنبي في دولة قطر، وكان الحكم صادراً من محاكم الجمهورية العراقية.

بالرجوع إلى قواعد تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية في دولة قطر فإن نصوص المواد من 379-384 من قانون المرافعات المدنية والتجارية هي التي تسري، ومن خلالها يثبت أن تنفيذ الحكم الأجنبي يكون عن طريق دعوى مبتدأة تنظرها محكمة التنفيذ الكلية كاختصاص نوعي، إلا أنّ ما حصل هو أن القاضي قد أعطى الصيغة التنفيذية على الحكم دون مراعاة القواعد المنصوص عليها في المواد المذكورة.

لم يكن هناك سوابق قضائية في هذه المسألة، وقد ثار التساؤل عما إذا كان قرار وضع الصيغة التنفيذية قرار قضائي أم أنه قرار ولائي؛ لأن القول بأنه قرار قضائي سيعني أن طريق الطعن فيه هو بالاستئناف، بينما القول بأنه قرار ولائي سيعني أن طريق الطعن فيه هو بالتظلم.

وحرصاً منا على عدم تفويت طريق الطعن الصحيح فقد قمنا بسلوك الطريقين ورفعنا استئنافاً ضد القرار كما رفعنا في نفس الوقت تظلماً منه.

بعد ذلك: أمام محكمة الاستئناف قُضي بعدم جواز الاستئناف لأن القرار ولائي، بينما أمام المحكمة التي تنظر التظلم، فقد قُضي برفض التظلم.

ولكن ولما كانت الوجهة المرجحة لدينا هي أن القرار قضائي ويُطعن عليه بالطعون التي يبيحها القانون، فقد قمنا بالطعن بالتمييز في الحكم الصادر في الاستئناف القاضي بعدم جوازه، وقُبِل الطعن بالتمييز وقضت محكمة التمييز بإبطال الصيغة التنفيذية واعتبار القرار حكماً قضائياً، وأن العبرة فيه بحقيقة الواقع لا في الشكل الذي ورد فيه القرار.

كما ثارت مسألة أخرى في سياق هذه القضية حيث أن الحكم قد قضى في منطوقه بالمبالغ المحكوم بها بالعملة العراقية، وقد كانت العملة العراقية في وقت صدور الحكم (التسعينات) تعادل مبلغاً أكبر من ستة ملايين ريال قطري، أما في وقت تنفيذ الحكم فقد كانت قيمة العملة العراقية منخفضة أكثر وتعادل مبلغاً لا يتجاوز عشرين ألف ريال قطري، وعلى ذلك ثار النزاع عما إذا كانت العبرة بقيمة العملة العراقية وقت صدور الحكم أم وقت التنفيذ.

وهنا ولما كان القاضي ينفذ الحكم حسب منطوقه وكان منطوق الحكم بالعملة العراقية وكان اتصال القضاء القطري بتنفيذ هذا الحكم في وقت لاحق على صدوره بسنوات عديدة، فقد طلبنا أن يكون المُعادل للريال القطري هو قيمة العملة وقت التنفيذ في قطر، ولكن صدر حكم التمييز وألغى الصيغة التنفيذية.

وبعد ذلك تم سلوك الدعوى من جديد حسب حكم التمييز وتمسكنا فيها بالدفع بالتقادم، وقضت المحكمة بتقادم التنفيذ لمرور أكثر من عشر سنوات على صدور الحكم حسب القانون العراقي المنطبق على هذا الحكم.

ختاماً نرجو أن نكون قد وفقنا في تقديم عرض للنظام القضائي القطري بالشكل الذي يحقق الغرض المطلوب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بقلم: