بعد ان تناولنا في الحلقة السابقة تطور المادة موضوع التفسير وما طرأ عليها من تعديلات إلى ما قبل صدور القانون رقم 19/2017، ندلف في هذه الحلقة إلى التطبيق القضائي لهذه المادة في ظل القوانين المشار إليها، وذلك تمهيداً للتعليق على التفسير.

التطبيق القضائي:

كما ذكرت المذكرة التفسيرية، فقد شهد الاجتهاد القضائي في تفسير وتطبيق المادة 11 من القانون رقم 13/2008، بما طرأ عليها من تعديلات، شيئاً من الاختلاف، فقد كانت محاكم أول درجة بادئ الأمر تعامل قرار الدائرة بفسخ العقد والسماح للمطور بخصم النسبة المحددة، على أنه قرار اداري يجب الطعن فيه بالطرق المحددة للطعن في القرار الاداري، إلا أن محكمة التمييز استقرت على أن القرار

الصادر من الدائرة ليس حكماً  ولا يحوز حجية  الأمر المقضي ” أمام جهات القضاء المختصة بنظر النزاع ، فلا تقيد المحكمة عند نظر الدعوى والفصل فيها بل لها أن تخضعها لرقابتها وتقضي على خلافها، وبالتالي لا يترتب على صدور هذه القرارات منع الخصوم من رفع دعوى للفصل في منازعة متعلقة بها

( طعن عقاري رقم 94/2012)

إذاً فالحكم المذكور لم ينكر حق المطور في الفسخ وخصم مبالغ، متى اتبع الاحكام المنصوص عليها في المادة 11.

بل أن بعض قواعد التمييز اعتبرت القواعد المنصوص عليها في المادة 11 من القانون رقم 13/2008 المعدّل بالقانون رقم 9/2009 من النظام العام، فقد جاء في حكم محكمة التمييز دبي في الطعن رقم 123/2010 عقاري:-

” إذا كان المشرّع قد أصدر القانون رقم 13 لسنة 2008 بشأن تنظيم السجل العقاري المبدئي في إمارة دبي المعدل بعض أحكامه بموجب القانون رقم 9 لسنة 2009 ونص في المادة 11 منه على أنه ((……………………………)) فإن مفاد ذلك أن المشرِّع وضع بموجب هذه المادة قواعد يجب على كلٍ من المطور ودائرة الأراضي والأملاك ومؤسسة التنظيم العقاري اتباعها فيما يخصه، وأن ما استهدفه من تلك القواعد هو تحقيق مبادئ العدالة للحفاظ على توازن مصلحة وحقوق كل من الطرفين والحرص على استقرار المعاملات في مجال العقارات التي هي من الأنشطة ذات الأهمية للاقتصاد في إمارة دبي، فتعتبر تلك القواعد من النظام العام

وقد انتهت المحكمة في الحكم إعلاه إلى التأكيد على رقابة المحاكم على استخدام المطور حقه في الفسخ بموجب المادة 11، والذي لم تنكره عليه المحكمة متى التزم مطلوبات المادة 11، لأن مخالفة المادة تؤدي إلى البطلان، وقد تمثلت المخالفة في الدعوى محل الحكم أن المطور، وبناء على نص في العقد المبرم بينه والمشتري، خصَم أكثر من النسبة الحددة بالمادة 11 من القانون.

وقد أكد حكم تمييز آخر ذات المبدأ الذي يجعل القواعد المنصوص عليها ف�� المادة 11 جزأً من النظام العام، فقد جاء في الحكم الصادر في الطعن رقم 352/2011 عقاري:-

“…….، كما أنه إذا تدخل المشرع بتقرير  قاعدة قانونية تنظم وضعاً بذاته على نحو محدد لا يجوز الخروج عنه التزاماً بمقتضيات الصالح العام وترجيحاً لها على ما يكون لبعض الأفراد من مصالح خاصة مغايرة فإنه يتعين تطبيق هذه القاعدة القانونية لأنها تعتبر في هذه الحالة من القواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام وفي ذات الوقت تعتبر قاعدة مكملة لإرادة المتعاقدين، وكان مفاد النص في عجز المادة 11 من القانون رقم 13/2008 المعدلة بالقانون رقم 9/2009 على أن تسري أحكام هذه المادة على جميع العقود التي أبرمت قبل العمل بأحكام هذا القانون وهو ما مؤداه أن التنظيم القانوني الذي نص عليه المشرع في صدر ذات المادة يسري بأثر رجعي على عقود بيع الوحدات العقارية على الخارطة وآثارها المستقبلية المترتبة عليها  التي ما زالت قائمة حتى وإن كانت مبرمة قبل صدور القانون.”

إلا أن الاجتهاد القضائي نحى مؤخراً نحواً مختلفاً، إذ اعتبر قيام المطور بالفسخ وخصم المبلغ المحدد تصرفاً مخالفاً للقانون الذي يجيز الفسخ إما قانوناً أو قضاءً أو لوجود الشرط الفاسخ الصريح، أي أن هذا الاجتهاد جرّد هذا التصرف من أية قيمة قانونية ولم يعتبره فسخ بناء على قانون، فالمحكمة في هذا الاجتهاد تقضي بانفساخ العقد متى قام المطور بالفسخ دون اللجوء إلى القضاء أو التحكيم، على خلاف الاجتهاد السابق الذي أكد حق المطور في الفسخ بموجب المادة 11، أي أنه اعتبر الفسخ استناداً إلى هذه المادة فسخ بموجب القانون، كما أكد على سلطة المحكمة في الرقابة على تصرف المطور و مدى التزامه بأحكام القانون. وقد ورد الاجتهاد الأخير في حكمي استئنافين غير منشورين، أحدهما لم يطعن فيه وصار نهائياً وباتاً، والآخر قيد النظر أمام محكمة التمييز.

القانون رقم 19/2017:

سمى هذا القانون التدابير التي نصت عليها المادة 11 ” قواعد واجراءات” بدلاً من تسميتها أحكام كما في القانون رقم 9/2009.

ولعل أهم التعديلات التي أوردها هذا القانون على المادة 11، فيما يتصل بهذا التعليق، تتمثل في إضافة قواعد جديدة، فقد أعطت الفقرة أ/4 المطور الحق في الفسخ و الخصم دون اللجوء إلى القضاء أو التحكيم، واعتبرت الفقرة (ه) القواعد والاجراءات المنصوص عليها في المادة من النظام العام، ورتبت البطلان جزاءً على مخالفتها، بينما أقرت الفقرة (و) حق المشتري في اللجوء إلى القضاء أو التحكيم في حال تعسف المطور في استخدام القواعد والاجراءات المنصوص عليها في المادة.

تفسير المادة في المذكرة:

لم تشذ المذكرة في تفسيرها عن القانون، بل وافقت اتجاهاً كان سارياً من قبل في الاجتهاد القضائي، فقد أقرت حق المطور في الفسخ دون اللجوء إلى القضاء أو التحكيم، ولم تغل يد القضاء أو التحكيم في الرقابة على استخدام المطور للمادة متى لجأ المشتري إلى القضاء أو التحكيم، وفي هذا حماية للمشتري الذي لم يُحرم من حقه في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي أو الذي اختاره، كما أزاحت عن كاهل المطور عبئ اللجوء إلى القضاء في حالة اخلال المشتري بالتزاماته بما يساعد المطورعلى ضمان تدفق الأموال اللازمة لانجاز المشروع.

أما تفسير المذكرة للفقرة المتعلقة بسريان المادة بأثر رجعي، فهو تفسير له سنده في الدستوروالقانون والتطبيق القضائي كما ورد في المذكرة، فلا يستقيم أن تصدر المحكمة حكماً يخالف قواعد هي من النظام العام في ظل سريان القانون الذي نص على تلك القواعد، وبالتالي فإن أي حكم لم يغدو باتاً قبل صدور القانون، لا بد أن يراعي هذه القواعد.

و ليس ثمة في التفسير إي إضرار بالمشتري، الذي له الحق كما ذكرنا في اللجوء إلى القضاء أو التحكيم في حالة تعسف المطور أو عدم التزامه بتلك القواعد، فإذا أخل المطور بأي قاعدة من القواعد المنصوص عليها في المادة، كأن لا يلتزم باتباع الطريق الصحيح للإخطار، أو يغفل أن يضمّن الاخطار البيانات المطلوبة أو يهمل في إثبات تاريخ الاخطار، أو يخصم من ما سدده المشتري أكثر مما نصت عليه القواعد، أو يفشل في أن يرد للمشتري المبلغ المتبقي بعد الخصم في الأجل المحدد، أو غير ذلك من مخالفة أية قاعدة أو اجراء، فإن مصير تصرف المطور سيكون، وبلا شك، البطلان.

في تقديرنا المتواضع أن التزام هذا التفسير الصائب، يحقق العدالة للطرفين، ويسهم في استقرار الأحكام، فضلاً عما يحققه من دعم للسوق في القطاع العقاري.