مقدمة:

بتاريخ 5/7/2018 أرسل الأمين العام للجنة العليا للتشريعات خطاباً إلى سعادة مدير محاكم دبي، أرفق معه المذكرة التفسيرية للمادة 11 من القانون رقم 19/2017 التي تضع 11 ضوابط صارمة وإجراءات واضحة يجب إتباعها في حال إخلال المشتري بالتزاماته تجاه المطور الذي باعه وحدة عقارية على الخارطة.

وكما جاء في المذكرة فإنها أتت بناء على طلب تفسير مقدم من محاكم دبي، ويبدو أن الحوجة إلى هذا التفسير نبعت من مما لمسته المحاكم من اختلاف في الاجتهادات القضائية بشأن تفسير وتطبيق المادة، ولا شك أن عدم استقرار الأحكام فيما يتصل بتفسير هذه المادة، يؤثر على استقرار القطاع العقاري ونموه، وهو قطاع رائد في الاقليم وغيره.

وفي هذا التعليق، وحتى يتسنى ادراك الخلفية التي تسند التفسير الصادر عن اللجنة العليا للتشريعات، لا بد من النظر في تطور التشريعات العقارية ذات الصلة بموضوع هذا التعليق ، وفي الاجتهاد القضائي في تطبيق المادة 11 في القانون رقم 13/2008 وما طرأ عليها من تعديلات، كما لا بد من تناول دور اللجنة العليا للتشريعات ومعرفة الأساس الذي تستمد منه اختصاصها باصدار المذكرات التفسيرية للقوانين السارية، وفي ضوء ذلك كله يمكن النظر في التفسير الذي صدر عن اللجنة وإدراك تأثيره.

لذا يأتي تعليقنا هذا على حلقات، تتناول كل حلقة واحداً من النقاط المشار إليها، و نبدأ التعليق بتناول تطور التشريعات العقارية ذات الصلة بموضوع التعليق.

تطور التشريعات العقارية ذات الصلة:  

شهدت إمارة دبي منذ بدايات الألفية الثالثة، ولا تزال تشهد، تطوراً متسارعاً في مجال الاستثمار العقاري، وعلى وجه الخصوص في مشروعات بيع الوحدات العقارية على الخارطة، و قد بدأت دبي منذ العام 2006 في السعي إلى تهيئة المناخ لهذا النوع من الاستثمار، وذلك بوضع بنية تشريعية تؤسس لمناخ ملائم و ��حمي هذا الاستثمار و أطرافه المختلفة.

في العام 2006 صدر قانون التسجيل العقاري الذي أنشأ السجل العقاري ووضع تعريفاً له وأوجب تسجيل جميع التصرفات المتعلقة بإنشاء حق عقاري أو نقله أو تغييره أو زواله في ذلك السجل، وجوّز  السماح للأجانب بتملك الأراضي في الامارة ملكاً حراً أو مقيداً، وفي العام ذاته صدر النظام رقم 3 الذي حدد مناطق للتملك الحر، وأتبعته بعد ذلك أنظمة و سعّت نطاق تلك المناطق التي يسمح فيها بالتملك الحر.

وفي العام 2007 صدر القانون رقم 8/2007 بشأن حسابات ضمان التطوير العقاري والذي أوجب على دائرة الأراضي والأملاك إعداد سجل خاص بالمطورين العقاريين، كما أوجب إيداع ما يسسده المشترون مقابل شراء وحدات عقارية  على الخارطة في حسابات ضمان تخصص للانفاق على المشروع العقاري المعيّن ، وقد أعطى القانون دائرة الأراضي والأملاك صلاحيات واسعة للرقابة على حساب الضمان، وألزم مؤسسات وشركات التمويل بإيداع مبالغ القروض التي يحصل عليها المطورون في حسابات الضمان للتصرف فيها حصراً للانفاق على المشروع، مما يؤكد أن حماية مصالح المشترين، وضمان انجاز المشاريع العقارية لمصلحة جميع الأطراف، كان اهتماماً واضحاً فيما يصدر من تشريعات.

كما ألزم القانون المطور الذي يرغب في بيع وحدات عقارية على الخارطة أن يتقدم بطلب إلى الدائرة لفتح حساب الضمان، و يكون الطلب مستوفياً لاشتراطات معينة تصب كلها في التأكد من جدية المطور وملكيته للأرض المراد تطويرها، على نحو يحمي مصالح المشترين.

وفي ذات عام 2007 صدر القانون رقم 16/2007 بإنشاء مؤسسة التنظيم العقاري، والتي أنيط بها تنظيم القطاع العقاري في الامارة من خلال المساهمة في إعداد الاستراتيجيات المتعلقة بهذا القطاع  وتطوير وتنفيذ خطط العمل اللازمة، وقد فصلّت المادة 5 من القانون أهداف و سلطات المؤسسة.

ولمواجهة ما يفرضه تنامي المشاريع العقارية الضخمة ذات الملكية المشتركة صدر في العام 2007 القانون رقم 27/2007 بشأن ملكية العقارات المشتركة في إمارة دبي و الذي نظم الملكية المشتركة في هذه العقارات والتصرف في الوحدات العقارية في الملك المشترك، كما نظّم القانون ادارة وتشغيل وصيانة الأجزاء المشتركة.

أما القانون الذي جاءت المذكرة التفسيرية لتفسير أحد مواد القانون المعدّل له فهو القانون رقم 13/2008 بشأن تنظيم السجل العقاري المبدئي، والذي عرّف البيع على الخارطة، واستحدث نظام التسجيل المبدئي وأوجب تسجيل جميع التصرفات التي ترد على الوحدات العقارية المبيعة على الخارطة سواء تم التصرف قبل صدور القانون أم بعده، في السجل العقاري المبدئي، ورتب البطلان جزاءً على عدم التسجيل و وضع قيوداً على حرية المطورين في البيع على الخارطة وألزمهم بالوفاء بمطلوبات محددة قبل قيامهم بالبيع، وقد تناولت المادة 11 من هذا القانون الاحكام التي يتبعها المطور في حالة إخلال المشتري وفشله في الوفاء بالتزاماته العقدية.

وباختصار فقد مثل القانون رقم 13/2008 مواجهة فاعلة لمشاكل عملية خلقتها المضاربة في السوق والتي كانت منتشرة قبل صدور القانون.

يتضح إذاً أن إمارة دبي كانت على وعي بأهمية تأسيس بنية تشريعية ملائمة لهذا القطاع، وأذرع إدارية و تنظيمبة لإنفاذ هذه التشريعات، ولوضع الاستراتيجيات اللازمة للتنفيذ و التطوير.

ومع تسارع تنامي التطور في هذا القطاع، وما شهده من صعود وهبوط، كانت الحوجة حاضرة باستمرار لتدخل المشرّع لسد الثغرات وتوضيح ما التبس في التطبيق، فضلاً عن ابتدار التشريعات التي تسبق وقوع المشاكل وتمكّن من مواجهتها عندما تقع مواجهة مثلى.

و لعل إنشاء اللجنة العليا للتشريعات، يمثل في ذاته استجابة موّفقة لمواجهة هذه التحديات، و ذلك بإنشاء هذا الكيان المتخصص و الذي أنيط به تولي استراتيجيات التشريع و مراقبة التطبيق في الإمارة، وذلك ما سنتناوله في الحلقة القادمة، كما سنتناول تطور المادة محل التفسير.