أبا عبد الله، ستيني مصاب بمرض السكري، يقطع يومياً خمسين كيلومتراً ذهاباً إلى عمله ومثله عند العودة، يضطره الازدحام المروري، الذي يعيق حركة وصوله إلى عمله، إلى التبول في سيارته في وعاء وضعه خصيصاً لذلك، والطامة الكبرى تكون عند اصطحابه أحد من غير أفراد أسرته.

أم سامي، وضعت حملها واستقبلت وليدها في السيارة التي كان يقودها زوجها، قبل أن تصل إلى المستشفى، رغم أن المسافة بين منزلها والمستشفى لا تتجاوز عشرين كيلومتراً.

إم. جي ويلسون، رجل أعمال فاتته رحلته الجوية وفاته معها حضوره اليوم الأول لمؤتمر مشارك فيه كمتحدث، فاضطر إلى تأجيل سفره وبالتالي، إلى دفع تكاليف إضافية لحجز رحلة أخرى.

أبا خليفة، داهمته نوبة قلبية داخل مركبته في شارع مكتظ بالمركبات، وعبثاً حاول ابنه تجاوز الزحمة المرورية من أجل الوصول إلى مستشفى قريب، فتوفي والده بعد عشرين دقيقة من بدء النوبة…. الخ.

هذه الوقائع، وغيرها من الوقائع الحقت أضراراً ثابتة بمن سبق ذكرهم، الأمر الذي يستوجب البحث عن نظامٍ قانونيٍ للمسؤولية المدنية من أجل تعويض المتضررين من الازدحام المروري.

في إطار النظرية العامة للمسؤولية المدنية، هل يمكن القول بأن أجهزة الحكومة الإدارية المسند إليها أمر تسيير المرافق المرورية (كإدارة المرور في وزارة الداخلية والقيادات العامة للشرطة، ودوائر الطرق والنقل والمواصلات، وكذلك البلديات)، هي المكلفة بتوفير طريق آمن وسالك لمستخدمي الطرقات والشوارع؟ هل ان هذا التكليف مصدره القوانين واللوائح التي تنظم عمل واختصاصات هذه الجهات الإدارية؟ ومن ثم ما هو الخطأ أو الإهمال أو عدم مراعاة تلك القوانين واللوائح، الموجبين لمسؤولية الجهة الإدارية التقصيرية؟ اضف إلى ذلك، هل ان الرسوم التي تفرضها تلك الجهات على مستخدمي الطرق تنشأ التزام عقدي بضرورة توفير طريق آمن وسالك أو على الأقل خال من ازدحام مروري خانق في بعض الأحيان؟

إن فرض الحكومة سلطتها وسلطانها الإداري على المرافق العامة بما فيها مرفق المرور، يحقق لها مغانم مالية تتمثل في الغرامات التي تترتب على مخالفة قوانين السير والمرور، والرسوم الخاصة بتسجيل المركبات وتحديد رخصها وإلغائها، والضرائب المفروضة على المعاملات المرورية، وغيرها من الرسوم.

وهذه المغانم لا بد من أن يقابلها مغرم تحمل مخاطر استخدام الطريق كمخاطر الازدحام المروري عملاً بالقاعدة الفقهية الأصولية “الغنم بالغرم”. وإذا استقام أساس المسؤولية المدنية عن الازدحام المروري. أمكن بعد ذلك، البحث عن نطاق تلك المسؤولية وحدودها وأسباب دفعها، وعناصر التعويض المستحق